ابن عساكر

226

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

فأطبق المصحف ، ولم يزل يبكي حتى ابتلّ لحيته وثوبه ، حتى رحمته من كثرة بكائه ، ثم قال لي : يا بني « 1 » ، تلوم أهل الرّي في قولهم : يوسف بن الحسين زنديق ؟ ومن « 2 » وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن ، لم يقطر من عيني قطرة ، وقد قامت علي القيامة بهذا البيت : وفي رواية : قال : لما ورد على الجنيد رسالة يوسف بن الحسين ، اشتقت إليه ، فخرجت إلى الري ، فلما دخلتها سألت عنه ، فقالوا : إيش تعمل بذلك الزنديق . فلم أحضره ، فلما وقع في قلبي الخروج من الري ، قلت : لا بد أن ألقاه على أي حال ، قال : فحضرت بابه ، فلما دفعت الباب تغير عليّ حالي ، فدخلت عليه ، فإذا بين يديه رجل وعليه مصحف وهو يقرأ فيه ، فقال لي : من أين أنت ؟ قلت من بغداد ، قال : لإيش جئت ؟ قلت : جئت زائرا لك . فقال : أرأيت لو ظهر لك في بعض هذه البلدان التي جزت بها من يشتري لك فيها دارا وجارية ويقيم بكفايتك أكنت تقطع بذلك عني ؟ قلت : يا سيدي ما ابتلاني اللّه بذلك ، ولا ابتلاني اللّه أنه ما كنت أدري كيف يكون ، قال : أقعد أنت عامل تحسن تقول شيئا ؟ قلت : نعم . قال : هات ، قل شيء « 3 » فقلت : رأيتك تبني دائما في قطيعتي * ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني كأني بكم واللبث أفضل قولكم * ألا ليتنا كنا « 4 » إذا اللبث لا يغني قال : فبكى حتى رحمته ، فلما سكن ما به قال : لا يا أخي لا تلم أهل الري على أن يسموني زنديقا ، أنا من الغداة أقرأ في هذا المصحف ، ما خرجت من عيني دمعة ، وقد وقع فيما عنيت به ما رأيت . قال يوسف بن الحسين : أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص ، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي ، فكأنه يلبث فيه على لون آخر .

--> ( 1 ) في الرسالة القشيرية : يا بني ، لا تلم أهل الري على قولهم عني زنديق . ( 2 ) في مختصر أبي شامة : « من » والمثبت عن تاريخ بغداد والرسالة القشيرية . ( 3 ) كذا . ( 4 ) في حلية الأولياء : نبني .